يتردّد كثير من أصحاب الشركات في مصر قبل الانتقال إلى التوقيع الإلكتروني لسؤال واحد: إذا وقع خلاف، هل ستقبل المحكمة عقدًا لم يُوقَّع بالقلم؟ والإجابة المختصرة نعم، فالقانون المصري يعترف بالتوقيع الإلكتروني منذ عام 2004. لكن الإجابة الكاملة أدقّ من ذلك: فقوّة التوقيع الإلكتروني في الإثبات ليست واحدة في كل الحالات، وتتوقّف على طريقة التوقيع وعلى الأدلّة المحفوظة معه.

في هذا الدليل نشرح ما يقوله القانون بلغة عملية، ونفرّق بين درجات التوقيع الإلكتروني، ونوضّح ما الذي تحتاج إلى الاحتفاظ به كي يصمد عقدك أمام القضاء، ومتى يكون التوقيع الإلكتروني غير مناسب أصلًا.

ماذا يقول القانون المصري؟

الأساس هو قانون تنظيم التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004، ولائحته التنفيذية الصادرة بقرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم 109 لسنة 2005. والقانون يقرّر قاعدة عامة واضحة: للتوقيع الإلكتروني، في نطاق المعاملات المدنية والتجارية والإدارية، الحجّية نفسها المقرّرة للتوقيعات في قانون الإثبات، متى رُوعيت الشروط التي يحدّدها القانون ولائحته.

وهذه الشروط، كما يذكرها القانون، ثلاثة في جوهرها:

  1. ارتباط التوقيع بالموقِّع وحده دون غيره. أي أن يكون هناك ما يثبت أن هذا الشخص بعينه هو الذي وقّع.
  2. سيطرة الموقِّع وحده على وسيط التوقيع. فلا يكون غيره قادرًا على استعمال أداة التوقيع.
  3. إمكان كشف أي تعديل أو تبديل في بيانات المحرّر الإلكتروني أو التوقيع بعد التوقيع.

وتفصّل اللائحة التنفيذية الضوابط الفنّية لهذه الشروط، وتربط أعلى درجات الحجّية بشهادات التصديق الإلكتروني الصادرة من جهات مرخّص لها من هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا).

درجات التوقيع الإلكتروني عمليًّا: ليست كلها سواء

كلمة «توقيع إلكتروني» تُطلق على أشياء مختلفة جدًّا، من كتابة الاسم في آخر بريد إلكتروني إلى التوقيع بشهادة رقمية على توكن. والفرق بينها في الإثبات كبير:

طريقة التوقيعما الذي يثبتهقوّته عند النزاع
صورة توقيع ملصقة على ملفّ أو اسم مكتوب في بريدلا يكاد يثبت شيئًا عن هوية من وضعهضعيفة، ويسهل إنكارها
توقيع عبر منصّة بتحقّق من البريد أو الهاتف برمز لمرة واحدة، مع سجلّ أحداث وبصمة للمستندأن صاحب البريد أو الرقم هو الذي وقّع، ومتى، ومن أي جهاز، وأن المستند لم يُعدَّلدليل قوي، يقدّره القاضي مع باقي الأدلّة
ما سبق مضافًا إليه تأكيد هوية بوثيقة رسمية وصورة وجهأن الشخص الحقيقي المذكور في العقد هو الذي وقّعدليل أقوى، ويضيّق كثيرًا مساحة الإنكار
توقيع بشهادة تصديق إلكتروني على توكن صادر من جهة مرخّصةاستيفاء الشروط الفنّية التي حدّدها القانون ولائحتهالحجّية المقرّرة للتوقيع في قانون الإثبات

الخلاصة العملية: كل الطرق الثلاث الأخيرة مقبولة دليلًا، لكن القاعدة القانونية الصريحة بالمساواة مع التوقيع الخطّي تتحقّق على أوضح وجه في التوقيع بشهادة صادرة من جهة تصديق مرخّصة. أما الطرق الأخرى فقوّتها في مقدار ما تحفظه من أدلّة، ولذلك يهمّك أن تعرف ما الذي تحفظه المنصّة التي تستعملها.

ما الذي يجعل التوقيع الإلكتروني يصمد أمام المحكمة؟

في النزاع، لا يسأل القاضي «هل التوقيع إلكتروني؟» بل يسأل: «هل ثبت أن هذا الشخص وقّع هذا المستند بعينه؟». وكل دليل يجيب عن هذا السؤال يقوّي موقفك:

١. إثبات الهوية

كيف عرفنا أن الموقِّع هو الشخص المذكور؟ رمز تحقّق وصل إلى بريده أو هاتفه المسجّل في العقد دليل جيّد، ومطابقة وثيقة هويته وصورة وجهه دليل أقوى، والتوقيع بشهادته الرقمية أقوى الثلاثة.

٢. سجلّ الأحداث

متى أُرسل العقد؟ متى فُتح؟ متى وُقّع؟ ومن أي عنوان IP وجهاز؟ هذا السجلّ المؤرَّخ بالثانية يحوّل التوقيع من لحظة منفردة إلى سلسلة وقائع مترابطة يصعب الطعن فيها.

٣. سلامة المستند

البصمة الرقمية (Hash) للمستند تتغيّر لو تغيّر حرف واحد فيه. فإذا حُفظت البصمة لحظة التوقيع، يمكن إثبات أن النسخة المقدَّمة للمحكمة هي نفسها التي وُقّعت، وهذا هو الشرط الثالث في القانون.

٤. الختم الزمني

الختم الزمني من جهة مستقلّة يثبت أن المستند كان موجودًا بصورته هذه في وقت محدّد، فلا يستطيع أحد الادّعاء أنه أُعدّ لاحقًا.

٥. إقرار الموقِّع بالتعامل الإلكتروني

نصّ واضح يوافق عليه الموقِّع قبل التوقيع، يقرّ فيه بأنه اطّلع على العقد ويقبل التوقيع عليه إلكترونيًّا. هذا الإقرار يسدّ باب الادّعاء بأنه لم يكن يعلم أنه يوقّع عقدًا ملزمًا.

أخطاء شائعة تضعف التوقيع الإلكتروني

  • التوقيع عبر واتساب أو البريد بصورة ملصقة: كثيرون يظنّون أن إرسال صورة العقد موقَّعة يكفي، والحقيقة أنها من أضعف صور الإثبات، لأنها لا تثبت من وضع التوقيع ولا تكشف التعديل.
  • استعمال بريد أو رقم لا يخصّ الموقِّع: إذا أُرسل رابط التوقيع إلى بريد السكرتارية أو رقم مشترك، ضعف الربط بين التوقيع والشخص المقصود.
  • عدم الاحتفاظ بشهادة التوقيع وسجلّه: بعض الأدوات تسلّمك ملفًّا موقَّعًا فقط. والملفّ وحده لا يكفي؛ السجلّ والشهادة هما الدليل.
  • توقيع شخص عن شركة دون تفويض: التوقيع الإلكتروني لا يعالج مشكلة الصفة. فإذا وقّع موظّف لا يملك صلاحية التعاقد، بقيت المشكلة كما هي في التوقيع الورقي.

متى لا يناسبك التوقيع الإلكتروني؟

بعض التصرّفات يشترط فيها القانون شكلًا معيّنًا، كالتسجيل في الشهر العقاري أو التوثيق الرسمي أمام موثّق، كما في نقل ملكية العقارات المسجّلة وبعض التوكيلات والتصرّفات المتعلّقة بالأحوال الشخصية. في هذه الحالات لا يغني التوقيع الإلكتروني، ولا التوقيع الخطّي العادي أيضًا، عن الإجراء الرسمي المطلوب. أما الغالبية العظمى من العقود التجارية اليومية، كعقود الخدمات والتوريد والعمل والإيجار غير المسجّل واتفاقيات السرّية وعروض الأسعار، فالتوقيع الإلكتروني مناسب لها تمامًا.

كيف تختار طريقة التوقيع المناسبة لكل عقد؟

  • عقود يومية منخفضة المخاطر (عروض الأسعار، أوامر الشراء الصغيرة، اتفاقيات السرّية): التوقيع برمز تحقّق بالبريد أو واتساب كافٍ عادةً.
  • عقود متوسطة القيمة أو مع أطراف لا تعرفهم (عقود عمل، عقود إيجار، خدمات بمبالغ كبيرة): أضف تأكيد الهوية بالوثيقة والوجه.
  • عقود عالية القيمة أو يُتوقّع فيها نزاع: التوقيع بتوكن صادر من جهة تصديق مرخّصة.

وفي وثائق تختار الطريقة لكل عقد بحسب أهميته: رمز تحقّق بالبريد أو واتساب، أو تأكيد الهوية بالوثيقة والوجه عبر مزوّد متخصّص، أو التوقيع بتوكن صادر من إحدى جهات التصديق المرخّصة في مصر. ومع كل توقيع تُحفظ شهادة توقيع تحمل سجلّ الأحداث وبصمة المستند وختمًا زمنيًّا، ويحصل العقد على رقم يستطيع أي شخص التحقّق به من سلامته في صفحة التحقّق.

قائمة مراجعة قبل أن تعتمد التوقيع الإلكتروني في شركتك

  1. هل يُرسَل رابط التوقيع إلى بريد أو رقم يخصّ الموقِّع نفسه؟
  2. هل تحفظ المنصّة سجلّ أحداث مؤرَّخًا لكل خطوة؟
  3. هل تُحفظ بصمة المستند وختم زمني لحظة التوقيع؟
  4. هل يقرّ الموقِّع صراحةً بقبوله التوقيع الإلكتروني قبل أن يوقّع؟
  5. هل يمكن تأكيد هوية الموقِّع بوثيقة رسمية حين يلزم ذلك؟
  6. هل تتيح المنصّة التوقيع بتوكن من جهة مرخّصة للعقود المهمّة؟
  7. هل يستطيع الطرف الآخر أو المحكمة التحقّق من العقد دون الرجوع إليك؟
  8. هل التصرّف نفسه لا يشترط شكلًا رسميًّا كالتسجيل أو التوثيق؟

الأسئلة الشائعة

هل يقبل القضاء المصري العقد الموقَّع إلكترونيًّا؟

نعم. يقرّر القانون 15 لسنة 2004 للتوقيع الإلكتروني حجّية التوقيع في قانون الإثبات متى استوفى شروطه، ويقدّر القاضي باقي صور التوقيع الإلكتروني بحسب ما يصاحبها من أدلّة.

هل أحتاج إلى توكن لكل عقد؟

لا. التوكن يمنح أعلى درجات الحجّية، لكنه ليس ضروريًّا لكل عقد. ويكفي في أغلب العقود اليومية التوقيع برمز تحقّق مع سجلّ أحداث وبصمة للمستند، وتضيف تأكيد الهوية حين تكون قيمة العقد أو مخاطره أعلى.

من أين أحصل على توكن التوقيع الإلكتروني؟

من إحدى جهات التصديق الإلكتروني المرخّص لها من هيئة تنمية صناعة تكنولوجيا المعلومات (إيتيدا)، ويصدر التوكن باسم الشخص بعد التحقّق من هويته.

هل يجوز أن يوقّع أحد الطرفين إلكترونيًّا والآخر بالقلم؟

عمليًّا يُفضَّل أن يوقّع الطرفان على النسخة الإلكترونية نفسها، كي يكون للعقد نسخة واحدة وسجلّ واحد. أما الخلط بين نسخة ورقية وأخرى إلكترونية فيفتح الباب للخلاف حول أيّهما الأصل.

ماذا لو أنكر الطرف الآخر أنه وقّع؟

هنا تظهر قيمة الأدلّة المحفوظة: رمز التحقّق الذي وصل إلى بريده أو هاتفه، وعنوان IP والجهاز، ووقت التوقيع، وتأكيد الهوية إن وُجد. وكلما كانت هذه الأدلّة أكمل، صعب الإنكار.

التوقيع الإلكتروني في مصر ليس منطقة رمادية كما يظنّ البعض، لكن قيمته الحقيقية في الأدلّة التي تُحفظ معه. اختر الطريقة المناسبة لأهمية كل عقد، واحرص على أن يبقى معك سجلّ كامل لكل خطوة. وإذا أردت أن تبدأ، يمكنك إنشاء حسابك في وثائق وإرسال أول عقد للتوقيع خلال دقائق.

هذا المقال للتوعية العامة ولا يغني عن استشارة قانونية متخصّصة في حالتك.

اقرأ أيضًا