كتابة عقد احترافي لا تتطلّب أن تكون محاميًا، لكنها تتطلّب منهجًا واضحًا. فالعقد الجيّد يجيب عن أسئلة بسيطة: من الأطراف؟ ما المطلوب من كل طرف؟ متى وكيف وبأي مقابل؟ وماذا يحدث إذا أخلّ أحدهم بالتزامه؟ والعقود التي تسبّب المشكلات ليست في الغالب عقودًا معقّدة، بل عقودًا تركت سؤالًا من هذه الأسئلة بلا جواب، أو أجابت عنه بعبارة تحتمل معنيين. وحين يقع الخلاف، يقرأ كل طرف العبارة الغامضة لصالحه، ويصير العقد نفسه موضوع النزاع بدل أن يكون حلّه.

في هذا الدليل نشرح عشر خطوات لكتابة عقد احترافي، من التحضير قبل الكتابة حتى المراجعة النهائية والتوقيع. ولكل خطوة نبيّن لماذا تهمّ، وكيف تُنفَّذ، وما الخطأ الشائع فيها، مع أمثلة وصيغ مقترحة. ونختم بقائمة مراجعة وأسئلة شائعة. ولمعرفة البنود الأساسية التي يحتاجها كل عقد بالتفصيل يمكن الرجوع إلى دليلنا عن البنود الأساسية في العقود.

الخطوة الأولى: افهم الاتّفاق قبل أن تكتبه

أكثر العقود سوءًا تُكتب قبل أن يتّضح الاتّفاق نفسه. يبدأ الكاتب بنموذج قديم ويملؤه، بينما الطرفان لم يتّفقا بعد على نقاط جوهرية: ما الذي يُسلَّم بالضبط؟ ومتى يُعدّ العمل منجزًا؟ ومن يتحمّل التكاليف الإضافية؟ والتطبيق الصحيح أن تكتب أوّلًا ملخّصًا للاتّفاق في صفحة واحدة بلغة بسيطة، وتعرضه على الطرف الآخر، فإن وافق عليه بدأت الكتابة القانونية.

السؤالمثال الإجابة في عقد تصميم موقع
ماذا يُسلَّم؟موقع من خمس صفحات بلغتين مع لوحة تحكّم
متى؟خلال ستّين يومًا من استلام المحتوى
بأي مقابل؟مبلغ محدّد على ثلاث دفعات
كم تعديلًا؟جولتا تعديل في كل مرحلة
من يملك النتيجة؟العميل بعد سداد كامل المقابل
ماذا لو تأخّر أحدهما؟تمتدّ المواعيد بقدر تأخّر العميل، وتعويض عن تأخّر المصمّم

والخطأ الشائع أن يُترك ما لم يُتّفق عليه «لنقرّره لاحقًا»، فيبقى فراغًا في العقد يملؤه الخلاف. مثال: وكالة تصميم وعميل اتّفقا على «موقع إلكتروني» دون تحديد عدد الصفحات، فطلب العميل عشرين صفحة بينما سعّرت الوكالة خمسًا.

الخطوة الثانية: حدّد الأطراف بدقّة

يبدأ العقد بتعريف الأطراف تعريفًا لا يحتمل اللبس. فللفرد: الاسم الكامل والرقم القومي والعنوان. وللشركة: الاسم القانوني كما في السجلّ التجاري، ورقم السجلّ، والمقرّ، واسم الممثّل القانوني وصفته وسند تفويضه. والتطبيق الصحيح أن تتحقّق من أن من يوقّع عن الشركة يملك صلاحية التوقيع فعلًا.

صيغة مقترحة: «أبرم هذا العقد بين: شركة [الاسم القانوني]، شركة [الشكل القانوني]، مقيّدة بالسجلّ التجاري برقم [ ]، ومقرّها [العنوان]، ويمثّلها في التوقيع السيّد [الاسم] بصفته [الصفة] (ويُشار إليها فيما يلي بـ"الطرف الأول")، و...»

والخطأ الشائع أن يُكتب الاسم التجاري المعروف بدل الاسم القانوني، أو أن يوقّع موظّف لا يملك الصلاحية، فيثور لاحقًا سؤال عن إلزام الشركة بالعقد.

الخطوة الثالثة: اكتب تمهيدًا يشرح السياق

التمهيد فقرة في بداية العقد تشرح لماذا يتعاقد الطرفان: نشاط كلٍّ منهما، والغرض من التعاقد. وقد يبدو التمهيد شكليًّا، لكنه يساعد على تفسير العقد عند الغموض، لأنه يبيّن قصد الطرفين. والتطبيق الصحيح أن يكون موجزًا، وأن يُنصّ على أنه جزء لا يتجزّأ من العقد.

صيغة مقترحة: «حيث إن الطرف الأول يعمل في مجال [ ]، ويرغب في [الغرض]، وحيث إن الطرف الثاني يملك الخبرة والإمكانات اللازمة لذلك، فقد اتّفق الطرفان وهما بكامل أهليتهما على ما يلي، ويُعدّ هذا التمهيد جزءًا لا يتجزّأ من العقد.»

الخطوة الرابعة: عرّف المصطلحات المهمّة

إن كان العقد يستعمل مصطلحًا يحتمل أكثر من معنى، فعرّفه في بند مستقلّ. كلمات مثل «التسليم» و«يوم العمل» و«القبول» و«المعلومات السرّية» قد تُفهم بطرق مختلفة. والتطبيق الصحيح أن تعرّف المصطلح مرّة واحدة ثم تستعمله بالمعنى نفسه في كل العقد.

والخطأ الشائع أن يُستعمل لفظان مختلفان لمعنى واحد، كأن يُقال «المشروع» في بند و«الأعمال» في آخر و«الخدمات» في ثالث، فيتساءل القارئ: هل هي ثلاثة أشياء مختلفة؟ مثال: عقد استعمل «أيام» في بند و«أيام عمل» في آخر، فاختلف الطرفان على هل مهلة الاعتراض عشرة أيام تقويمية أم عشرة أيام عمل.

الخطوة الخامسة: صِف الالتزامات بأفعال قابلة للقياس

قلب العقد هو بند الالتزامات: ما يفعله كل طرف. والقاعدة الذهبية أن يُكتب كل التزام بفعل محدّد وموعد وقابلية للقياس. فبدل «يقدّم الطرف الثاني خدمات تسويقية جيّدة» يُكتب «يُعدّ الطرف الثاني ويدير حملتين إعلانيتين شهريًّا على المنصّات المحدّدة في الملحق، ويقدّم تقريرًا بالنتائج في اليوم الخامس من كل شهر».

صياغة ضعيفةصياغة احترافية
في أقرب وقت ممكنخلال عشرة أيام عمل من تاريخ الطلب
جودة عاليةمطابقة للمواصفات الواردة في الملحق رقم 1
يبذل جهدهيلتزم بتسليم [ ] في موعد أقصاه [ ]
دعم فنّي مناسبردّ على البلاغات خلال أربع ساعات عمل
مقابل معقولمبلغ [ ] يُدفع على النحو التالي

والخطأ الشائع أن تُكتب التزامات طرف بدقّة والتزامات الطرف الآخر بعبارات عامّة. والعقد المتوازن يحدّد التزامات الطرفين بالدقّة نفسها، بما في ذلك التزامات العميل، كتسليم المحتوى أو منح الوصول، لأن تأخّره فيها يؤخّر الطرف الآخر.

الخطوة السادسة: حدّد المقابل وطريقة الدفع

يجب أن يحدّد العقد المبلغ بالأرقام والحروف، والعملة، وجدول الدفعات وربط كل دفعة بمرحلة أو تاريخ، وطريقة الدفع، وما يترتّب على التأخير، وهل تشمل الأسعار الضرائب. والتطبيق الصحيح أن تُربط الدفعات بإنجازات قابلة للتحقّق، لا بمرور الوقت وحده.

صيغة مقترحة: «يلتزم الطرف الأول بأداء مقابل إجمالي قدره [ ] ([بالحروف]) على ثلاث دفعات: الأولى [40٪] عند توقيع العقد، والثانية [30٪] عند اعتماد التصميم، والثالثة [30٪] عند التسليم النهائي وقبوله، وذلك خلال [سبعة] أيام من تاريخ الفاتورة.»

والخطأ الشائع أن يُذكر المبلغ بالأرقام وحدها، أو أن يختلف المبلغ بالأرقام عن المبلغ بالحروف بسبب خطأ في الكتابة. والمراجعة الدقيقة لهذا البند وحده تمنع خلافات كثيرة.

الخطوة السابعة: نظّم ما يحدث عند الإخلال

العقد الذي لا يحدّد ما يحدث عند الإخلال يترك الطرفين للقواعد العامّة والتقاضي الطويل. والتطبيق الصحيح أن يحدّد العقد: مهلة لتدارك الإخلال بعد الإخطار، والتعويض المتّفق عليه عند التأخير إن وُجد، وحالات الفسخ. والشرط الجزائي مفيد لأنه يحدّد التعويض مسبقًا، لكن يجب أن يكون معقولًا، لأن القانون المدني يجيز للقاضي تخفيضه إذا كان مبالغًا فيه إلى درجة كبيرة أو إذا نُفّذ الالتزام في جزء منه.

ويحسن أن يتضمّن العقد بندًا للقوّة القاهرة يحدّد الحوادث التي تعفي من التنفيذ وإجراءات الإخطار بها. ويجب التمييز هنا بين القوّة القاهرة التي تجعل التنفيذ مستحيلًا فينقضي الالتزام، والظروف الطارئة التي تجعله مرهقًا لا مستحيلًا، فيجوز للقاضي ردّ الالتزام إلى الحدّ المعقول. والخطأ الشائع أن يُنسخ بند قوّة قاهرة عامّ لا يحدّد إجراءات الإخطار ولا ما يحدث إن طالت مدّة الحادث.

الخطوة الثامنة: أضف بنود الحماية العامّة

إلى جانب البنود الخاصّة بموضوع العقد، توجد بنود عامّة تحتاجها معظم العقود: السرّية، والملكية الفكرية، وحدود المسؤولية، وعدم جواز التنازل عن العقد دون موافقة، والإخطارات ووسائلها، والقانون الحاكم وجهة الفصل في النزاع، وأن العقد يمثّل الاتّفاق الكامل ويُلغي ما سبقه من مراسلات، وأن التعديل لا يكون إلا كتابةً.

صيغة مقترحة لبند الاتّفاق الكامل: «يمثّل هذا العقد وملاحقه كامل الاتّفاق بين الطرفين في موضوعه، ويحلّ محلّ أي اتّفاقات أو مراسلات سابقة. ولا يُعتدّ بأي تعديل عليه إلا إذا كان مكتوبًا وموقّعًا من الطرفين.»

والخطأ الشائع إغفال بند الإخطارات، فيُرسل أحد الطرفين إنذارًا برسالة واتساب، ويدّعي الآخر أنه لم يصله إخطار صحيح.

الخطوة التاسعة: اكتب بلغة واضحة

لغة العقد يجب أن تكون دقيقة لا معقّدة. فالجمل الطويلة المتداخلة والمصطلحات القديمة لا تجعل العقد أقوى، بل أصعب فهمًا وأسهل خلافًا. والتطبيق الصحيح:

  • جملة واحدة لكل التزام قدر الإمكان.
  • الفعل المضارع الدالّ على الإلزام: «يلتزم»، «يؤدّي»، «يسلّم».
  • الأرقام بالأرقام والحروف في المبالغ والمدد المهمّة.
  • ترقيم واضح للبنود يسهل الإحالة إليها.
  • ملاحق للتفاصيل الفنّية بدل حشوها في المتن.
  • تجنّب الضمائر الغامضة: «هو» و«ذلك» حين لا يُعرف إلى من تعود.

والخطأ الشائع أن يُظنّ أن العقد كلّما زاد تعقيده زادت قوّته. والحقيقة أن القاضي والطرف الآخر يقرآن العقد، والوضوح يخدم من كتب العقد لأنه يمنع التأويل.

بين الخطوتين: الملاحق ومتى تُستعمل

من علامات العقد الاحترافي أن متنه قصير نسبيًّا وواضح، بينما تُنقل التفاصيل الفنّية والمتغيّرة إلى ملاحق: المواصفات، وجدول الأسعار، وجدول الدفعات، ومراحل التسليم، ونموذج محضر الاستلام. ويحقّق هذا فائدتين. الأولى أن المتن يبقى مقروءًا، فيفهم المدير غير المتخصّص التزاماته الأساسية دون أن يغرق في الجداول الفنّية. والثانية أن الملحق يمكن تحديثه عند تغيّر التفاصيل دون إعادة كتابة العقد كله، ما دام التعديل موقّعًا من الطرفين.

والتطبيق الصحيح أن يُشار إلى كل ملحق في متن العقد باسمه ورقمه، وأن يُنصّ على أن الملاحق جزء لا يتجزّأ من العقد، وأن يُحدَّد أيّهما يسود عند التعارض: المتن أم الملحق. والخطأ الشائع أن تُرفق ملاحق دون الإشارة إليها في المتن، أو أن تتعارض أرقام الملحق مع أرقام المتن دون قاعدة تحسم التعارض. مثال: عقد توريد ذكر في متنه أن التسليم خلال ثلاثين يومًا، بينما حدّد جدول التسليم في الملحق خمسة وأربعين يومًا، فاحتجّ كل طرف بما يناسبه. ولو نصّ العقد على أن المتن يسود عند التعارض، أو راجع الكاتب التطابق قبل التوقيع، لما نشأ الخلاف.

صيغة مقترحة: «تُعدّ الملاحق المرفقة بهذا العقد، وهي الملحق رقم 1 (المواصفات) والملحق رقم 2 (جدول الأسعار والدفعات)، جزءًا لا يتجزّأ منه. وعند التعارض بين أحكام المتن وأحكام أي ملحق، تسود أحكام المتن ما لم يُنصّ صراحةً على خلاف ذلك.»

الخطوة العاشرة: راجع ثم وقّع بطريقة تحفظ الإثبات

قبل الإرسال، اقرأ العقد كاملًا بعين الطرف الآخر: أين يمكن أن يختلف معك؟ ثم بعين القاضي: هل كل التزام واضح وقابل للإثبات؟ وفي العقود الكبيرة أو غير المعتادة، اعرضه على محامٍ. ثم وقّعه بطريقة تثبت من وقّع ومتى، وأن النصّ لم يتغيّر بعد التوقيع.

وقانون التوقيع الإلكتروني المصري رقم 15 لسنة 2004 يمنح التوقيع الإلكتروني حجّية في الإثبات متى استوفى شروطه. وفي منصّة وثائق تستطيع إعداد العقد في محرّر العقود، ثم إرساله للتوقيع برمز تحقّق على البريد أو واتساب، مع تحديد ترتيب التوقيع وإضافة ختم الشركة. ويُحفظ للعقد سجلّ تدقيق وختم زمني موثوق، ويستطيع أي طرف التحقّق لاحقًا من أن نسخته هي النسخة الموقّعة عبر صفحة التحقّق. وفي العقود الكبيرة يمكن طلب التحقّق من هوية الموقّع أو التوقيع بتوكن.

والخطأ الشائع أن يُعدَّل العقد بعد اتّفاق الطرفين على نسخته ثم يُرسل للتوقيع دون إبلاغ الطرف الآخر بالتعديل. وهذا يهدم الثقة وقد يُبطل الاتّفاق. والصواب أن يُعرض كل تعديل صراحةً قبل التوقيع.

قائمة مراجعة قبل الإرسال

  • هل الاتّفاق واضح ومتّفق عليه قبل الكتابة؟
  • هل الأطراف معرّفة بدقّة، ومن يوقّع يملك الصلاحية؟
  • هل التمهيد يشرح الغرض؟
  • هل المصطلحات المهمّة معرّفة ومستعملة بمعنى واحد؟
  • هل كل التزام محدّد بفعل وموعد وقابلية للقياس؟
  • هل التزامات الطرفين بالدقّة نفسها؟
  • هل المبلغ بالأرقام والحروف متطابق؟
  • هل الدفعات مربوطة بإنجازات؟
  • هل الإخلال والفسخ والقوّة القاهرة منظَّمة؟
  • هل بنود الحماية العامّة موجودة؟
  • هل اللغة واضحة والبنود مرقّمة؟
  • هل سيُوقَّع بطريقة تحفظ الإثبات؟

أسئلة شائعة

هل يجب أن يكتب المحامي كل العقود؟

لا. العقود المتكرّرة يكفيها نموذج يراجعه محامٍ مرّة واحدة. أمّا العقود الكبيرة أو غير المعتادة فيُستحسن عرضها على محامٍ.

هل يصحّ العقد المكتوب بالعامية؟

قد يصحّ، لكن العامية تزيد احتمال الغموض. والفصحى الواضحة أدقّ وأقلّ عرضة للتأويل.

هل العقد الطويل أقوى من القصير؟

لا. قوّة العقد في وضوحه وشموله للأسئلة المهمّة، لا في طوله.

ماذا لو اختلف المبلغ بالأرقام عن الحروف؟

هذا يفتح بابًا للخلاف، ولذلك تجب مراجعة التطابق قبل التوقيع.

هل يصحّ توقيع العقد إلكترونيًّا؟

نعم، فقانون التوقيع الإلكتروني رقم 15 لسنة 2004 يمنح التوقيع الإلكتروني حجّية في الإثبات متى استوفى شروطه، مع بقاء أي إجراءات رسمية يشترطها القانون لبعض التصرّفات.

الخلاصة

كتابة عقد احترافي منهج لا موهبة: افهم الاتّفاق، وحدّد الأطراف، وصِف الالتزامات بدقّة، ونظّم الإخلال، واكتب بوضوح، وراجع، ثم وقّع بطريقة تحفظ الإثبات. وكل عقد تكتبه بهذا المنهج يصبح نموذجًا لما بعده، فيقلّ الوقت في كل مرّة وتزيد الدقّة، حتى تملك شركتك مجموعة نماذج موثوقة لكل أنواع عقودها، يعرف كل موظّف كيف يستعملها ومتى يحتاج إلى مراجعة إضافية. اكتب عقدك القادم في محرّر العقود ووقّعه مع الطرف الآخر عبر منصّة وثائق.

هذا المقال للتوعية العامّة، ولا يُعدّ استشارة قانونية.

اقرأ أيضًا